لقد أثبت التقرير الأخير حول حملة «دمك حياة» أن العمل الخيري في منطقتنا لم يعد مجرد اجتهادات فردية، بل صار منظومة احترافية تدار بعقلية المؤسسة وروح العائلة الواحدة. إن الأرقام التي ساقها التقرير (454 متبرعاً) ليست مجرد إحصاءات، بل هي صكوك أمل خُطت بدماء الأوفياء في ليلة لا تعرف المستحيل.
كم هو مؤثر أن ترى ذلك الشاب الذي أقبل بابتسامة، وتلك السيدة التي جاءت تحمل في قلبها نية إحياء نفس؛ هؤلاء جميعاً لم يأتوا بدافع الواجب فحسب، بل دفعهم ذلك "الميثاق الفطري" الذي يربط أبناء هذا المجتمع ببعضهم البعض.
إن الـ (454) بطلاً وبطلة الذين تدفقت دماؤهم في حملة «دمك حياة»، لم يكتفوا برسم ملامح العطاء، بل خطّوا بمدادِ الوفاء "دستوراً مجتمعياً" يقول: إننا هنا، جسدٌ واحد، إذا اشتكى منه وريد، تداعت له كل الأوردة عطاءً وسخاءً. هؤلاء الرائعون الذين لبّوا النداء، حوّلوا الحملة من أرقامٍ إحصائية (545 مشاركاً) إلى "تظاهرة إنسانية" تدمع لها الأعين فخراً، وتخشع لها القلوب تبجيلاً.
تأملوا هذا المشهد المهيب: في الليلة الأولى، كانت "نون النسوة" هي المبتدأ والخبر، بـ 35 متبرعةً أسرجن شموع الحنان، ثم تلاهن طوفانُ الرجال في الليالي الثلاث التالية، ليتصاعد العطاء ليلةً بعد ليلة، حتى ذروته في الليلة الثالثة التي شهدت سباقاً مع الزمن لإنقاذ الأرواح. هل هناك جمالٌ يضاهي أن ترى الشاب والشائب، القريب والبعيد، يصطفون بصمتٍ مهيب، يبتسمون للإبرة لأنهم يدركون أن ألمها العابر هو "حياة مستمرة" لغيرهم؟
إلى كل من تبرع، وإلى كل من حاول ومنعته الظروف الصحية:
أنتم نبض هذا الوطن، وأنتم البرهان الحي على أن الخير فينا متأصل لا يزول. دمكم الذي تدفق لم يكن سائلًا بيولوجياً فحسب، بل كان "أوكسجين الحياة" لقلوبٍ كانت تنتظر معجزة، فكنتم أنتم تلك المعجزة بفضل الله.
إلى كل متبرع غرس بذرة حياته في عروق مجهول:
أنت لم تمنح دماً فحسب، أنت منحت أباً فرصةً ليرى أطفاله يكبرون، ومنحت أماً فرصةً لتعود لبيتها بصحة، ومنحت مريضاً فرصةً ليتنفس الصعداء. أنت "المجهول المعلوم" بصنيعك، "الغائب الحاضر" في دعوات من سكن دمك أجسادهم.
إلى الكوادر الطبية في شبكة القطيف الصحية وفرسان التطوع الصحي:
أنتم جيشُ الرحمة، ومنظمو هذا العزف الإنساني المنفرد. بلمساتكم الحانية وإدارتكم المبدعة، جعلتم من "جمعية الأوجام" منارةً تشع بالخير، وأثبتم أن شراكتكم هي الضمانة الحقيقية لاستدامة الجمال في هذا الوطن المعطاء
ابو عدنان. عبدالله الناصر